الثلاثاء 21 يناير 2020 الموافق 26 جمادى الأولى 1441
ثروت الخرباوي
ثروت الخرباوي

أسد القضاة «2»

الثلاثاء 03/سبتمبر/2019 - 06:49 م
طباعة
الآن أطلب منك عزيزى القارئ أن تقرأ سطورى القادمة بعين الإنصاف، فقد مرت علينا فى زمن حكم الإخوان أيام سوداء حتى ظن البعض أن المشروع الوطنى المصرى قد انتهى إلى الأبد، وأن الهوية المصرية قد ضاعت وتبددت، وقد تملك اليأس قلوب رجال لم نكن نظن أنهم يمكن أن يقعوا تحت وطأة اليأس، وهادن ناسٌ جماعة الإخوان ونافقوها، ولكن هناك أيضا رجالًا انتخبتهم الأقدار قاموا بدور تاريخى سيظل مسطورًا فى كتاب التاريخ، وحتى إن مُحيت صفحاتهم من كتاب التاريخ فإنها لن تُمحى من كتبهم التى سيقرأونها يوم القيامة عند رب العرش العظيم، وقد تكون صفحاتهم تلك هى شفيعتهم أمام الله سبحانه وتعالى.
لكن من هم أولئك الرجال؟ أنتم تعلمون من خبراتكم فى الحياة أننا يجب أن نعرف الخطأ لكى نعرف الصواب، وتعرفون أيضا أنه ليس هناك أروع من أن نعرف الملائكة، ولكن من الروعة أيضا أن نعرف الشياطين، وإذا كان من المهم وطنيًا أن نعرف الخونة وطرقهم، إلا أنه من المهم أيضًا أن نعرف الوطنيين الذين قدموا لمصر ولا يزالون، وكما كتبتُ عن فسدة القوم فإننى كتبت أيضًا عن قِمَمِ القوم. حديثى اليوم معكم عن أولئك الرجال الأفذاذ الذين قدموا لمصر ونسى الناس عملهم، لن أنتظر كغيرى إلى أن يموت الواحد منهم فأنعاه وأكتب رثاءه وأقول لقد كان فلان كذا وكذا، وفعل كذا، وقدم لمصر كذا. والحقيقة أنا مللت من كذا وكذا، وأريد أن أهجر تلك العادة العربية التى اكتسبناها من الشعر القديم، فمن أبواب الشعر الذى وصل إلينا من القدماء شعر الرثاء، وما أنا بشاعر رثاء، ولن أنتظر قضاء الله حتى أكتب عن رجال الأقدار، لذلك سأكتب ذات يوم قريب إن شاء الله عن القائد المصرى الوطنى الفريد الرئيس عبدالفتاح السيسى، وعن فريق وطنى فريد من قادة الجيش المصرى، الذين حملوا على أكتافهم ما تنوء الجبال بحمله، وسأكتب ذات يوم عن تلك الوقفة الشجاعة للمثقفين والأدباء والفنانين والإعلاميين والصحفيين الذين وقفوا بصلابة وشموخ ضد مشروع حكم الإخوان وكانوا مقدمة رائعة من مقدمات ثورة يونيو العظيمة، وسأطلب من كل الكتاب والأدباء أن يكتبوا ويكتبوا لكى يظل الشعب متذكرًا مواقف الرجال الوطنيين الذين نفخوا روح الثورة فى قلوب المصريين، وسأطالب بأن تُنشئ الدولة مُتحفا لثورة يونيو العظيمة وأن يقوم النحاتون بصنع تماثيل لعظماء وقادة الثورة المصرية، وأولهم قادة الجيش المصرى ورموز القضاء والفنانون والأدباء والسياسيون أصحاب اليد الطولى فى إلهاب مشاعر المصريين ضد حكم الإخوان الشيطانى، الذى تستر برداء الدين.
ولكننى الآن وأنا أتحدث عن القضاء فإنه من اللائق أن أتحدث عن رجل عجيب هو المستشار أحمد الزند، الذى وضعته الأقدار فى طليعة القادة المتقدمين فى معركة الأمة ضد الإرهاب ورجاله، هذا هو أحمد الزند، رئيس نادى القضاة فى زمن حكم الإخوان، الذى تعرض لاغتيال معنوى لم يحدث أن تعرض له أحد من قبل، كانت كل جريرته ذات يوم أنه استطاع الفوز بمقعد رئيس نادى القضاة فى مواجهة مرشح جماعة الإخوان، ثم فازت قائمته فى مواجهة قائمة الإخوان، نعم ضد قائمة الإخوان، فللأسف استطاع الإخوان التغلغل فى صفوف القضاة ونجحوا فى تجنيد العشرات، بل المئات منهم.
المهم الآن أن نعرف أنه حينما نجح المستشار الزند فى مواجهتهم فى زمن مبارك ثارت ثائرة الإخوان، رغم أن اختيار القضاة له ولقائمته كان اختيارًا حرًا من قضاة مصر، إلا أن قائمة الإخوان التى انكشف سترها بعد ذلك وقادتها الذين وقفوا يؤازرونها بأمر من مرشد الإخوان اختبأت آنذاك فى «حصان طروادة» الذى أطلقوا عليه «تيار الاستقلال» وهم مجموعة إن لم تكن تعلم «ولا ينبئك مثل خبير» تمت تربيتها على عين الإخوان وتحت رعايتهم، وقد انخدعت بهم بعض الحركات السياسية وظنتهم يعملون لمصلحة المشروع الوطنى المصرى، وهم فى الحقيقة من رعايا مشروع الإخوان الإرهابى، وعندما تختلط المفاهيم يسهل على كوادر التنظيم الإخوانى شن الحرب التى يريدون وتمريرها للقوى السياسية الأخرى فتأخذها دون تمحيص، وقد بانت هذه التبعية عند ثورة يناير التى استطاع فيها الإخوان الاستيلاء عليها من الثوار الحقيقيين، الذين كانوا يصدقون دعايات الإخوان عن أنفسهم بأنهم من الفصائل الوطنية، وما هم بذلك، وللأسف يجلس بيننا الآن فى مصر من كانوا يخطبون ود الإخوان ويتقربون إليهم، ولكن هؤلاء يزعمون أنهم كانوا من قادة الثورة ضد حكم الإخوان! ولكن الزيف الذى قد ينتشر خلال فترة سيتبدد حتمًا عاجلًا أو آجلًا، وسيعرف الناس حقيقة أولئك وخبث طويتهم.
وعلى العموم ما كان يمكن أن تنطلى دعايات الإخوان وشعارات استقلال القضاء على قضاة مصر، إذ إنهم يعرفون يقينًا الغث من السمين، وهبهم الله دون غيرهم ملكة المقارنة والموازنة والترجيح، يقف أمامهم المجرم الأثيم وقد رسم على وجهه آيات التقوى والصلاح فيعرفون بفراستهم إجرامه، لذلك كان من اليسير عليهم أن يكشفوا قائمة الإخوان التى أطلقت على نفسها «تيار الاستقلال»، وينتخبوا قائمة الوطن المصرى الحقيقية.
كان هذا هو كل ذنب المستشار أحمد الزند، ذنبه أنه نال ثقة القضاة، فانطلقت دعايات الإخوان ضده، وانطلقت حجاراتهم صوبه، يريدون أن يُفت عضده، وتتلوث سمعته، ولكن ما ضير النهر الجارى من سخامات العبيد حين يغتسلون بمياه النهر، أتُرى النهر قد طهرهم، أم هم الذين لوثوا النهر؟ يظل النهر نقيًا عفيًا فتيًا طاهرًا، ويظل العبد لا ينثنى يملأ يده بالسخامات ثم يغسلها فى النهر والنهر لا يأبه له، والحق أن «الزند» وسط كل هذه الأهازيج الشيطانية كان يترنم بأنشودة «بروميثيوس» حين قال: سأعيش رغـم ضراوة الأعـداء كالـنسر فــوق القمة الشماء
أرنو إلى الشمس المضيئة هازئًا بالسحب والأمطار والأنواء
وأقــول للجمع الــذين تجشموا هدمى وودوا لــو يخر بنائــى
العبوا يا معشر السفهاء تحت سمائى.
لم يحفل المستشار الزند بالاتهامات التى كالها له رجال الإخوان وأتباعهم، فهو فى الحقيقة لم يكن مقربًا من أى نظام، ولم يكُ يعمل لمصلحة حاكم، ولكنه كان فى تاريخه كله يعمل لمصلحة القضاء والقضاة، والمشروع الوطنى المصرى، مشروع الدولة المصرية ذات التاريخ والحضارة، وهذا هو الذى أوجع الإخوان ومن والاهم، فهم يعملون بسياسة: من لم يكن معنا فهو علينا، ولك أن تعرف أن وطأة الشائعات زادت على الرجل، ولكنه فى قمته لا تضيره ثرثرة العبيد إلى أن قامت ثورة يناير، تلك الثورة التى صُنعت خلف الأسوار ثم تم تسليمها للإخوان فركبوها وجعلوها مطيتهم للوصول إلى الحكم، آنذاك كان فى إمكان المستشار الزند أن يتاجر كما تاجر الآخرون، ويبيع كما باع الآخرون لكى يحصل على جزء من «التورتة»، خاصة أن جماعة الإخوان كانت تريد من يهادنها ويعمل لمصلحة مشروعها، وقد ظهر هذا من حوار لمحمد مرسى حينما كان مرشحًا للرئاسة، ففى برنامج تليفزيونى مع الإعلامى عماد الدين أديب قال محمد مرسى: «أنا لا أوافق على تجريح القضاة ونادى القضاة، والمستشار أحمد الزند رجل محترم وله قدره وقيمته ونحن نجله ونحترمه، ونادى القضاة نحفظ له دوره فى الوقوف ضد التزوير، وهو الذى أشرف على الانتخابات البرلمانية الأخيرة وله منا كل تقدير واحترام»!
كان فى إمكان المستشار الزند أن يلتقط الخيط من محمد مرسى ويدخل فى دائرة الحكم والحكام فيحصل لنفسه على ما يريد، ولكن لم يكن هذا مبتغاه، ألم يقل عنترة بن شداد: «يخبركِ من شهد الوقيعة أننى أغشى الوغى وأعف عند المغنم»، هكذا كان الرجل، يغشى الوغى ويعف عند المغنم، فعند أول مواجهة وقف المستشار الزند ومعه طليعة من أعضاء مجلس إدارة نادى القضاة ينافحون عن بيت القضاء المصرى وكأن لسان حالهم يقول لمن تهجم على «الحصن القضائى»: «يا ساكن البيت الزجاج هبلت لا ترمى الحصونا.. أرأيت قبلك عاريًا يبغى نزال الدار عينا» كان الزند هو قائد معركة القضاة ضد قرار عزل النائب العام المستشار عبدالمجيد محمود، وكان أيضا يتزعم قضاة مصر ضد قرار تعيين النائب العام الإخوانى طلعت عبدالله، وكان قائد القضاة ضد الإخوان حينما حاولوا تعديل قانون السلطة القضائية، ولعلنا قد نسينا أن الإخوان دبروا محاولة لاغتيال الزند وقتئذ وأفشل الله عملهم، فتلك الجماعة الشيطانية عندما تفشل فى اغتيال خصم لهم معنويًا، ترفع فى وجهه سيفها لتغتاله جسديًا، ولكنهم فشلوا فى كلتا الحالتين، ومع ذلك لم يتراجع الزند رغم التهديدات وظل قائدًا للقضاة حتى أطلق عليه رفاقه لقب «أسد القضاة».
ومر الزمن وأصبح الزند وزيرا ويا ليته لم يقبل هذا المنصب، ولكن ضغوط القضاة عليه دفعته لقبول ما كان يعف عنه، ومن بعد جلس الزند فى بيته، ولا يزال، وحينما أكتب تلك السطور عنه أحمد الله أنه ليس فى السلطة حتى لا يُقال إننى كتبت عنه لأحصل على مغانم، وحملات السوء الإخوانية تطال الجميع، وقد لا ألتقى المستشار الزند، ولربما لا تجمعنى الأقدار به، ولكننى أكتب ما أكتبه عن قناعة وإيمان، فأنا أمارس قناعاتى وأحب هذا الرجل، لأنه مارس قناعاته فى وقت كان يُمكن أن يُقضى على حياته فيه، ولا أظن أن أحدًا من عموم الناس يعرف أنه كان فى إمكان هذا المستشار الجليل أن يصبح مستشارًا لأمير من الأمراء أو ملك من الملوك، وقد عُرضت عليه المناصب القضائية العليا فى بعض البلدان العربية، ولكنه رفضها رغم المغريات وظل بيننا، لم يغادر مصر، وكأنه يتمثل أبيات الشعر: ها هنا واريت أجدادى هنا، وهم اختاروا ثراها كفنًا، وسأبقى أنا من بعد أبى وسيبقى ولدى من بعدنا.

ads