السبت 07 ديسمبر 2019 الموافق 10 ربيع الثاني 1441
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
د. منى حلمى
د. منى حلمى

حينما تتعطل أجمل الطاقات الثرية المنتجة المبدعة

السبت 20/يوليه/2019 - 08:31 م
طباعة

أليس العمل هو الذى أوجد الحياة، وصنع الحضارات، وأبقى على النماء، واخترع الأدوات، فى كل مجال، فى كل زمان، ومكان؟، أليس العمل هو الذى جعل من ماء البحر المالحة، قطرات ماء عذبة، تروينا؟، وهو الذى أدار محركات السفن، والطائرات، والسيارات، تسهل حركتنا، وتنقلنا من مكان لآخر؟
العمل صنع أوتار العود، والكمان، لتعزف لنا عزاءها فى الأحزان، ومشاركتها فى الفرح، كما صنع أوتار النول اليدوى لتغزل النسيج، وصنع أرغفة الخبز لتبقينا على قيد الحياة، وعندما يفتك بنا الألم الشرس أليس العمل هو وراء الأقراص المسكنة، التى تعيد سكينة الجسد، وراحة النفس؟
هى مهمة مضنية، محكوم عليها بالفشل مسبقًا، أن يحاول أى إنسان الإحاطة بمنجزات العمل، وثمرات الكد، والكفاح، التى قدمتها، وما زالت تقدمها اليد العاملة، منذ إشراقات الجنس البشرى، لنقل بكل بساطة، حتى نكون أمناء، ومحقين، وقارئين للتاريخ، أن «العمل هو كل شىء.. وأن كل شىء هو العمل».
وعندما كنا نردد: «العمل حق واجب شرف حياة»، لم يكن هذا الترديد اعتباطًا، أو نوعًا من الشعارات الجوفاء، والضحك على عقول العمال، وتطييب خاطرهم، بل كان يعكس وعيًا إنسانيًا راقيًا بقيمة العمل، ومكانة العامل والعاملة. «العمل حق واجب شرف حياة»، كانت مقولة نرددها بزهو، بصوت عالٍ، فى طوابير الصباح فى المدارس، ونكتبها على أغلفة الكتب والكراسات، وعلى جدران المبانى، وعلى زجاج الأتوبيسات، وعلى حوائط الشوارع، لنثبت قدر العمل فى المجتمع، وبين الناس.
كلمات قليلة بسيطة، كانت كافية لأن يشعر كل عامل، وكل عاملة، أن وجوده ثمين، لا يمكن الاستغناء عنه، وأنه فى وطن يشعر له بالامتنان، وأن ما يفعله، لا يذهب هدرًا. بل هو ضرورة للنهوض الاقتصادى، والاجتماعى، والفكاك من التبعية، والعلاقات التجارية العالمية، غير المتكافئة، التى تفرضها الدول الصناعية الكبرى على الدول البادئة فى النهوض. وفى مجتمع مثل مصر، حيث الكثافة السكانية، التى تعززها الثقافة الدينية التقليدية، والأعراف الاجتماعية البالية، يصبح العمل، المنتج الوطنى المصرى والتوسع فيه، وخلق مجالات متزايدة، هو الحل الوحيد الأمثل لامتصاص الزيادة السكانية، وتوجيهها نحو المسار الوطنى المفيد للفرد والمجتمع، على حد سواء.
إن الأفراد الذين يلدهم المجتمع، ويكبرون، ولا يجدون «عملًا» يتناسب مع تعليمهم، ومهاراتهم، وخبراتهم، وأحلامهم، وأمنيات آبائهم، وأمهاتهم، وينتهى بهم الحال للتسول، أو الجلوس على المقاهى، يتحرشون بالفتيات والنساء، هم «خطر» داهم على أنفسهم، هم «خطر» حيث يقتلهم الإحباط، والشعور بعدم القيمة، واللا جدوى، وعدم البهجة فى الحياة. فى أغلب الأحيان تصيبهم أمراض نفسية، وعضوية خطيرة، حيث أجمل الطاقات الثرية، المبدعة، المنتجة، الإيجابية، معطلة، باطلة عن التحقق. وكذلك، يمتد الأمر الى الأسرة التى قامت بتضحيات كثيرة، من أجل تعليمهم، وتربيتهم. وهم أيضًا، «خطر» على مجتمعهم. فالبطالة أسرع طريق إلى الحقد، والغضب، والاستفزاز، وتوليد الرغبة فى الانتقام، بأشكال ودرجات مختلفة. هم لا ينتقمون فقط لأنفسهم. ولكن أيضًا لأم أنكرت راحتها وسعادتها وكرامتها لكى يدخلون المدارس والجامعات. وكذلك، لأب كان يحرم نفسه من اللقمة، والهدمة، ليوفر لهم حياة أفضل.
إذن فالعلاقة وثيقة، وعضوية، وحميمة، وعميقة، أكثر مما نتخيل ونتصور بين «العمل» و«النهضة» و«السعادة» و«الصحة النفسية» و«الصحة الجسمية» و«الأمان» و«الاستقلال» و«الحرية» للفرد والمجتمع، على حد سواء.
وأقرأ فى صحف الصباح، أن مصر سوف تعمم الإدارات، والمصالح الإلكترونية، والميكنة، والشباك الواحد، لخدمة الشعب المصرى، ولتقليل فرص الفساد. كلام جميل.. ولكن ماذا سنفعل مع الانفجار السكانى الهائل؟ ماذا سنفعل، وكل عشرين ثانية يولد طفل؟
ثانيًا، هل خدمة الشعب المصرى تكون بالتوسع فى الميكنة، والاستغناء عن أبنائه، وبناته فى «العمل».. أم بخلق فرص جديدة، ومتزايدة، للعمل؟.
ثالثًا، إن القضاء على الفساد، الذى ينبع من العنصر البشرى، ليس بإلغاء العنصر البشرى، ولكن بتوفير فرص عمل أفضل، وتحسين الأحوال المادية، والمعيشية، والبيئية، والتشريعية، للعنصر البشرى، حتى لا يضطر إلى أخذ رشاوى، أو عقد صفقات للتحايل على القوانين. إن القضاء على المرض لا يكون بالقضاء على المريض. ولكن بالتشخيص السليم للمرض، والعلاج الآمن غير الجشع.
لنأخذ بعض مزايا «الميكنة» فى حدودها التى تفيدنا، وتحررنا، وتتناسب مع موارد بشرية ضخمة، نحولها من «نقمة» إلى «نعمة».
من بستان قصائدى
خمس ساعات.. بين اليقظة والنوم
خمس ساعات.. وأنا أحدق فى السواد
تبرق فى عيونى.. أيام وذكريات
تشد حنان وسادتى.. تنزع عنى الغطاء
ترمينى خارج حجرتى.. تتركنى فى العراء