الأحد 08 ديسمبر 2019 الموافق 11 ربيع الثاني 1441
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
د.مينا بديع عبدالملك
د.مينا بديع عبدالملك

فى ذكرى افتتاح الكاتدرائية المرقسية

الثلاثاء 25/يونيو/2019 - 08:54 م
طباعة
25 يونيو يوافق ذكرى افتتاح الكاتدرائية المرقسية الكبرى بالعباسية فى عام 1968 فى حضور الرئيس عبدالناصر والإمبراطور هيلاسلاسى الأول ورؤساء ومندوبى كنائس العالم، وفى حبرية البابا كيرلس السادس «1902 - 1971» البطريرك 116. وكان البابا كيرلس السادس قد زار الرئيس جمال عبدالناصر بمنزله بمنشية البكرى بحى مصر الجديدة فى 8 مايو 1965 ومعه 4 من المطارنة. كان سبب الزيارة أن أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة من المقيمين بمدينة حلوان قد أصدر أمرًا بإغلاق كنيسة مار جرجس بحلوان، لأن زوجته كانت منزعجة من صوت جرس الكنيسة!! فطلب البابا كيرلس من الأنبا صموئيل أن يقيم الصلوات مع الشعب فى الطريق العام أمام الكنيسة المُغلقة، ثم اصطحب الآباء المطارنة لزيارة الرئيس عبدالناصر وعرض عليه الأمر المؤسف. كان بطريركًا شجاعًا مسنودًا بقوة من الله وراعيًا صالحًا لشعبه.
استاء الرئيس عبدالناصر من تلك الأخبار- التى لم يسمعها من قبل- وعلى الفور أمر بفتح الكنيسة ثم طلب من البابا كيرلس السادس أن يهتم ببناء كاتدرائية ضخمة تليق بمكانة الكنيسة القبطية فى إفريقيا. فما كان من البابا إلا أن قال له: «يا سيادة الرئيس من أين نأتى بالمال اللازم لذلك؟ فالعين بصيرة واليد قصيرة!!». وهنا- كما يذكر السيد سامى شرف فى حديث له بجريدة الأهرام الصادر فى 15 يونيو 2015- أن الرئيس عبدالناصر قرر على الفور أن تسهم الدولة بمبلغ 167 ألف جنيه وأن تقوم شركات المقاولات العامة بعملية البناء للكاتدرائية الجديدة. وحدث فى 24 يوليو 1965 أن قام الرئيس عبدالناصر والبابا كيرلس السادس بوضع حجر أساس الكاتدرائية، وفى هذه المناسبة أعلن البابا كيرلس السادس عن عزم الكنيسة القبطية سنة 1968 إقامة احتفال عالمى بمرور 19 قرنًا على استشهاد القديس مرقس.
ثم أعلنت البطريركية عن مسابقة عامة بين المهندسين لتقديم أفضل مشروع للكاتدرائية المرقسية الجديدة، وتشكلت لجنة اختارت أحسن المشروعات وهو المشروع الذى تقدم به د. عوض كامل فهمى، عميد كلية الفنون الجميلة العُليا، وشقيقه المهندس سليم كامل فهمى. وفى أغسطس 1967 بدئ فى حفر الأساسات بمعرفة شركة النيل العامة للخرسانة المسلحة «سبيكو»، واستطاعت أن تنجز العمل الضخم فى نحو 10 أشهر بعد أن تم تشغيل نحو 1000 عامل واستخدام الكثير من الآلات. وأشرف على البناء المهندس المقيم للمشروع جورج عوض الله والمهندس الأرمنى «أرشاك معتمديان». كما عهدت البطريركية إلى المهندس مفيد الصيفى بأن يكون المهندس المقيم من قِبل البطريركية للإشراف على العمل فى الكاتدرائية تحت إشراف اللجنة التنفيذية للمشروع.
وكان الافتتاح فى تذكار مرور 19 قرنًا على استشهاد القديس مرقس كاروز الديار المصرية، وأيضًا استعادة بعض من رفاته الموجودة بكاتدرائية القديس مرقس بمدينة فينيسيا بإيطاليا، ولعودة بعض من هذه الرفات قصة رائعة: ففى إحدى مقابلات البابا كيرلس مع القاصد الرسولى بالقاهرة، قال البابا: ألم يحن الوقت لكى تعطونا جسد القديس مرقس الرسول؟ أجاب سيادته: نحن لا نستطيع أن نؤخر طلبًا لقداسة البابا. فقال البابا: «شكرًا.. إنى سأرسل فى طلبه إلى قداسة بابا روما، وإنى واثق أن مساعينا ستُكلل بالنجاح». وعلى إثر هذا الحديث بدأت المفاوضات التى تكللت بالنجاح، وأوفد البابا كيرلس وفدًا مكونًا من 75 فردًا بينهم أساقفة وكهنة ورهبان وعلمانيون، مع وفد من الكنيسة الإثيوبية، أقلتهم جميعًا طائرة خاصة فى صباح الثلاثاء 18 يونيو 1968. وقد تم استقبال الوفد القبطى فى روما بحفاوة بالغة. وتم الاحتفال رسميًا يوم 22 يونيو 1968 بتسليم رفات القديس مرقس وسط فرحة غامرة. ثم استقلّ الوفد الطائرة عائدًا مساء يوم الإثنين 24 يونيو 1968، حيث وصلت الطائرة إلى مطار القاهرة الدولى فى الساعة الحادية عشرة والنصف ليلًا وكان يحيط بها خمس طائرات أخرى- خاصة أيضًا- بها وفود من رجال الدين الذين يمثلون الدول الأوروبية ويواصلون رحلتهم إلى القاهرة حول طائرة القديس مرقس، وكان فى استقبالهم ما يزيد على 100 ألف مواطن فضلًا عن أعضاء الوفود الأجنبية والهيئات الدينية والدولية والمصرية. وصعد البابا كيرلس سلم الطائرة، وحمل الجسد المبارك وسط تهليل الجموع وهتافهم فاهتزَّت أرجاء المطار. وجد البابا كيرلس السادس مشقة بالغة للوصول إلى سيارته وهو حامل رفات القديس مرقس على كتفه، وبالتالى لم يتمكن الوفد القبطى المرافق من أن ينتظم فى الموكب المُعدّ لذلك. على سلم الطائرة كان يقف المستشار فريد الفرعونى، عضو الوفد القبطى، وبجواره الكاردينال «دوفال» مندوب بابا روما، شاهد الكاردينال دوفال المشهد المؤثر، فأعرب له سيادة المستشار عن شديد أسفه لعدم إمكان سير الموكب، فأجاب الكاردينال قائلًا: «إن هذا الإيمان المتدفق وهذا الحماس الرائع لمنظر بديع لا مثيل له ودليل على الحيوية. فليُمَجد اسم الله». وتوجه البابا من المطار إلى الكنيسة المرقسية الكبرى بالأزبكية وأودع الرفات بهيكل الكنيسة حتى يتم الاحتفال بافتتاح الكاتدرائية بالعباسية فى اليوم التالى.
بالحقيقة كانت فترة البابا كيرلس السادس- كما تقول المؤرخة الأستاذة إيريس المصرى- «فترة من البهاء». وكان البابا كيرلس فى عام 1965 قد شكل لجنة مالية لمتابعة بناء الكاتدرائية وتدبير المال اللازم، فأصدرت اللجنة دفاتر تبرعات من فئات: 25 قرشًا، 50 قرشًا، واحد جنيه، خمسة جنيهات. ومن هنا فقد اشترك المصريون بمختلف أعمارهم ودياناتهم فى المساهمة فى بناء هذا الصرح المقدس، وما زلت أحتفظ بهذه الإيصالات التى أُعدَّت إعدادًا جيدًا.
بهذه المناسبة أتذكر القصة التالية: فى عام 1968 قام البابا كيرلس السادس بتشكيل الوفد الرسمى الذى سيسافر إلى روما لمقابلة البابا بولس السادس- بابا الفاتيكان- لتسلم رُفات القديس مرقس. كان يرأس الوفد الأنبا مرقس مطران أبى تيج «1906 - 1977»، وكان المتحدث الرسمى سيادة المستشار فريد الفرعونى «1905 - 1990» وكيل المجلس الملى السكندرى. ذكر لى سيادة المستشار تلك القصة بعد أن تشكل الوفد البابوى، ذهب سيادة المستشار إلى البابا كيرلس السادس وقال له: «من بروتوكول الزيارات، على الوفد البابوى أن يقدم لقداسة بابا روما هدية من كنيسة الإسكندرية». فقال له البابا: «يا ابنى نجيب منين هدية وإحنا كنيسة فقيرة!!»، فقالت سيادة المستشارة: «أطلب من قداستكم الموافقة على أن أتصرف فى هذا الأمر». فأجاب البابا بالموافقة مع الدعاء بالبركة. توجه سيادة المستشار إلى صديقه الحميم المهندس رمسيس ويصا واصف «1911 - 1974» بالحرانية وعرض عليه الأمر، فما كان من المهندس رمسيس إلا أن اختار سجادة كبيرة المساحة «تغطى حائطًا ارتفاعه أربعة أمتار وعرضه ثلاثة أمتار» تمثل قصة يوسف الصديق. قام سيادة المستشار باصطحاب السجادة إلى البابا كيرلس السادس الذى شكره على تعبه والمهندس رمسيس على عطائه.
توجه الوفد البابوى إلى الفاتيكان وفى مقابلة البابا بولس السادس تم تقديم الهدية باسم البابا كيرلس السادس، الذى توجه بدوره بكلمات شكر للبابا كيرلس السادس، وما زال متحف الفاتيكان يحتفظ بهدية الكنيسة القبطية.. عندما كانت الكنيسة فقيرة فى المال كانت غنية فى الروحيات متمتعة بحياة النعمة والسلام الداخلى والحُب والمودة والبساطة والفرح الحقيقى والاكتفاء بالقليل. لقد اكتحلت أعيننا بتلك الفترة المضيئة فى حياة البابا كيرلس السادس.