رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

272 ضحية فى الانتخابات الإندونيسية


عنوان المقال.. واقعة حدثت بالفعل فى أكبر انتخابات شهدتها الدولة الإندونيسية.. وكان ذلك فى يوم الأحد الموافق الثامن والعشرين من شهر أبريل، والعام الحالى ألفين وتسعة عشر.
الموظفون المسئولون عن عملية الانتخاب وفتح الصناديق وفرزها يستمر عملهم لساعات طويلة، نهارًا وليلًا، وإلى يوم الانتخاب كانت التعليمات هى إجراء العملية الانتخابية فى يوم واحد، حيث أجريت العملية يدويًا، ولأول مرة فى تاريخ البلاد انعقدت الانتخابات الرئاسية والبرلمانية فى آن واحد، وهو يوم السابع عشر من شهر أبريل للعام الميلادى ٢٠١٩. وذلك العمل المضنى كان بهدف خفض النفقات، حتى إن التعب والإرهاق فى عمليات الإشراف والفرز المتواصل أديا إلى وفاة ٢٧٢ من موظفى عملية الانتخاب.
شهدت العملية الانتخابية منافسة شديدة بين حاكم جاكرتا الحالى واثنين آخرين هما وزير التعليم السابق، وأمامه نجل الرئيس السابق.
نشرت السلطة ٧٥ ألفًا من أفرادها فى أنحاء البلاد منهم ١٦ ألف جندى فى جاكرتا العاصمة.
بدا أن فرص الحاكم لجاكرتا هو الحائز على أغلب الأصوات، وقد يضطر إلى الإعادة إذا لم يحصل المرشح الأكثر أصواتًا على خمسين فى المائة من عدد الناخبين.
وبعد نحو أسبوعين من عمليات الفرز تنتهى النتائج بنجاح «إدى جوكودى» بحصوله على ما يعادل ٧٣٫١٥٪ من أصوات الناخبين، كما أقيمت الاحتفالات فى العاصمة جاكرتا لمراسم تنصيب الرئيس الفائز حضرها ثمانية من زعماء العالم منهم رئيس وزراء أستراليا، ورئيس وزراء ماليزيا، ووزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية.
والرئيس الفائز لم يكن من القوات المسلحة، أى الجيش، ولكنه قام بإجراء إصلاحات وقوانين جديدة جعلت الشعب يؤيده بقوة رغم أن جميع المرشحين كانوا من أسماء لامعة عسكريًا ومدنيًا.
كل التهنئة لهذا البلد الكبير وتعزية لأسر الجنود البواسل الذين ماتوا من التعب والإرهاق فى عملية كبيرة لبلد ضخم، حيث مات ٢٧٢ شخصًا فى عمل متواصل من فرز الأصوات يدويًا.
وفى مقارنة بسيطة بين انتخابات إندونيسيا والانتخابات الأمريكية يتبين الآتى: أولًا انتخابات إندونيسيا مات فيها من الإرهاق هذا العدد الكبير جراء العمل المتواصل لعدد كبير من الأيام، فى حين أن العملية الانتخابية للرئيس ولأعضاء الكونجرس بغرفتيه تتم فى يوم واحد معروف مسبقًا، بداية اليوم الانتخابى من الساعة الثامنة صباحًا وحتى السادسة مساء، ثم تعلن النتيجة النهائية للولايات الخمسين بعد غلق باب التصويت بساعات قليلة فى ذات اليوم، والتكلفة كلها من دعاية وفرز فى انتخابات الرئيس ومعه أعضاء الغرفتين تبلغ نحو خمسة مليارات من الدولارات، لا تكلف الخزانة الأمريكية دولارًا واحدًا، فكلها تبرعات ترد من الولايات الخمسين تفوق التكلفة كلها، والمتابع للتبرعات المقدمة من كل ولاية بلا استثناء يجدها تغطى التكلفة الدعائية والإشرافية على الانتخابات.
أما عملية الانتخاب فتتم كلها إلكترونيًا، فالناخب يجلس أمام جهاز بحيث لا يرى أحد ما يجريه الناخب من اختيارات على شاشة تبين أسماء كل مرشح فى غرفتى البرلمان نوابًا وشيوخًا، وكذلك فى مجال اختيار الرئيس من بين المرشحين أحدهما عن الديمقراطيين والآخر عن الجمهوريين، ولكل حزب منهما أغلبية بين ممثليه، مع الفارق أن عضوية النواب تكون سنتين، والشيوخ تمتد لست سنوات.
والمتابع لحجم النفقات الدعائية فى الولايات المتحدة يجد أنها تصل إلى خمسة مليارات دولار، لكن لا يدفع منها البيت الأبيض أو الحكومة المركزية سنتًا واحدًا، وإنما تجمع هذه التكاليف من كل الولايات والأفراد والمؤسسات ليس إجبارًا بل اختيارًا.
والمفارقة الغريبة أن يعلن عن وفاة ٢٧٢ شخصًا من جراء الإرهاق فى عمليات الإشراف وفرز الأصوات الذى استغرق الأيام والليالى فى إندونيسيا، ويبلغ تعدادها نحو ٢٧٠ مليون نسمة، وبهذا يكون قد مات شخص عن كل مليون تقريبًا فى الانتخابات الرئاسية، ولم نسمع عن حالة وفاة واحدة بسبب الانتخابات الأمريكية لأعداد من البشر يكاد يكون ضعف أعداد إندونيسيا، كما أن عدد صناديق الانتخابات الأمريكية بلغ ٨٠٠ ألف صندوق انتخابى.
والسؤال الملح: لماذا لا تطبق دول العالم الثالث ذات النظام الإلكترونى الذى يوفر الوقت، ويضمن الدقة حتى لا تسقط رغبة واحدة بين ملايين الأوراق؟.. أما عن التكلفة المالية فلا يمكن مقارنة ما ينفق على مشرفى الانتخابات وأعضاء الفرز الورقى وبين النظام الإلكترونى، وهنا يأتى السؤال الآخر: كيف نحقق نظامًا إلكترونيًا بين غير المتعلمين الذين لا يجيدون القراءة؟ والجواب بسيط: إن المرشحين يرمز لهم بصور معينة، والناخب يضغط على مفتاح مقابل الصورة التى يختارها، فضلًا عن وجود عدد من المشرفين يساعدون الناخب فى حل أى مشكلة.. أما عن تكلفة البرامج فإنى على ثقة أنه لو توافرت الإرادة يمكن تغطية النفقات بالتبرعات التى يمكن تقديمها من رجال الأعمال، وبكل سهولة إذا ما توافرت الإرادة.
ختامًا نقول إنها تجارب لعلها تدق ناقوس انتباه لكثير من دول العالم الثالث: إذا توافرت الإرادة تحقق المطلوب.. هذه فقط نوبة صحيان لمن توافرت لديهم الإرادة.