رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الجمعة 07 أغسطس 2020 الموافق 17 ذو الحجة 1441
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
مؤمن المحمدي
مؤمن المحمدي

الميرى وترابه

الثلاثاء 23/أبريل/2019 - 08:09 م
طباعة

بـيقولوا إن الإمبراطورية الرومانية كانت بـ تصرف على ديمقراطيتها من قمح مصر، إنما أقدر أقول لك إن قمح مصر كان روح الدولة الرومانية، من أول أيام الجمهورية فى أواخرها، والإمبراطورية فى بداياتها، ويمكن كمان نقول إنه سبب وجود الرومان فى مصر أصلًا.
رسايل ماجستير ودكتوراه ممكن تتكتب فى أسباب اعتماد الرومان على القمح المصرى تحديدًا أكتر من غيره، من أول غزو هانيبال لـ شبه جزيرة إيطاليا، لـ حد المناخ، وسهولة النقل من مدينة الإسكندرية، وجودة القمح المصرى، ووفرته، وثبات إنتاجيته، وحاجات إيشى خيال يا ناس.
المهم إنه فى النهاية، بقى هو دا الوضع.
كان طبيعى إن القمح بعد ما يتزرع، يتخزن فى حتة تابعة لـ الدولة الرومانية، ومفيش مواطن مصرى، فلاح أو غيره، من حقه ياخد حباية قمح واحدة، قبل ما يصدر قرار الإمبراطور بـ التوزيع، وهـ ننقل منه كام ونخلى كام، بعد كدا يبدأ المصريون ياخدوا اللى يفضل.
المكان اللى كان بـ يتجمع فيه القمح كان اسمه «الميرى»، علشان القمح نفسه كانوا بـ يسموه، «الميره»، فـ من هنا ارتبطت حياة المصريين بـ الميرى دا، دا المكان اللى بـ ياخدوا منه القمح اللى هـ ياكلوه طول السنة، هو فيه إيه أهم من كدا؟
كان بـ يحصل كتير إن مصريين يروحوا الميرى، يلاقوا القمح اتوزع، وما فضلش منه حاجة، اللى هـ يطلع بره طلع، واللى هـ يتوزع جوه اتوزع، يعنى كدا مفيش قمح لـ السنة الجاية، بس تفتكر المصريين هـ يغلبوا؟
قال لك: المكان اللى بـ يتجمع فيه القمح دا، بـ يبقى مليان قمح كتير اتسرب من الأشولة المتخزن فيها، صحيح بـ يبقى مخلوط بـ التراب، إنما وماله، نعبى القمح بـ ترابه، ونبقى نغربله على مهلنا لما نروح، من هنا طلعت المقولة الخالدة: «إن فاتك الميرى اتمرغ فـ ترابه».
روحى يا قرون، تعالى يا قرون
الميرى ما بقاش بس مكان تجميع القمح، أى حاجة ليها صفة «رسمية» تبقى ميرى، وأى حاجة رسمية بـ تاخد بـ الضرورة صبغة عسكرية، فـ بقى معنى الميرى، الحكومى أو العسكرى، أى حاجة خاصة بـ السلطة، هى ميرى.
مع تعاقب السلطات المختلفة، وأشكال الاحتلال المختلفة، فضل دا معنى الميرى، ولما بقى فيه «جيش» والجيش له «زى عسكرى»، الزى دا اتسمى الزى الميرى، فى مقابل الزى الملكى «المدنى»، والبدلة العسكرية اتسمت البدلة الميرى، والوظيفة الحكومية بقى اسمها الوظيفة الميرى.
صحيح الميرى ما بقاش مرتبط بـ القمح، بس المصريين فضلوا متعلقين بـ الميرى نفس تعلقهم أيام الدولة الرومانية، وفضل حرصهم على الاقتراب والاستفادة من السلطة الميرى فى أى شكل من أشكالها.
لـ حد وقت قريب، ويمكن لـ حد الآن، المصرى يحب يتوظف فى الوظايف الحكومية، أكتر من وظايف القطاع الخاص، يمكن دا قل السنين الأخيرة، لكن بـ النسبة لـ ناس كتير، لا يعلى على الميرى، وطبعًا فكرة إنك تبقى ظابط (جيش أو شرطة) دى حاجة آخر أبهة، أو إنه يكون لك قريب أو معرفة لابس البدلة الميرى.
علشان كدا فضل المصريين يقولوا: إن فاتك الميرى اتمرغ فـ ترابه، مش بـ المعنى الحرفى، لكن بـ معنى الحرص على الارتباط بـ الرسمى والحكومى والعسكرى، وإن ما كنتش تلحق، حاول تلحق منه أى حاجة، إن شا الله التراب.