-
الجمعة 13 ديسمبر 2019 الموافق 16 ربيع الثاني 1441
القس. رفعت فكرى
القس. رفعت فكرى

العلاقات الإنسانية والمسافة المطلوبة

الإثنين 25/فبراير/2019 - 07:29 م
طباعة
خلق الله الإنسان ذكرًا وأنثى ليكملا بعضهما البعض، والإنسان بطبعه كائن اجتماعى يصعب عليه أن يعيش منفردًا وقتًا طويلًا من الزمن، فهو دائمًا بحاجة إلى الآخرين، وفى التعامل الإنسانى كثيرًا ما تحدث مشكلات وصراعات لأسباب نفسية واجتماعية كثيرة ومعقدة، والإنسان الناضج الحكيم هو الذى يستطيع أن يحتفظ بمسافة كافية بينه وبين الآخرين، بحيث تبقى العلاقة الإنسانية فى إطارها الصحيح دون تداخل سلبى أو ابتعاد جاف، ولنا فى هذه المسافة درس من القنافذ.
القنفذ حيوان صغير من الثدييات، ينام شتاءً ويستيقظ فى الربيع، ويعتاش على أكل الحشرات، يأكل الديدان والزواحف والفئران الصغيرة وبيض الطيور التى تعشش فى البرارى، كما يأكل النباتات والثمار، وجلد القنفذ ملىء بالأشواك، ويسمى الشوك الذى يعتلى جلد القنفذ «الحسك».
والقنفذ يلد ويرضع صغاره، وله رأس دون رقبة ظاهرة وأذنان صغيرتان وفم مستطيل، وذو أرجل قصيرة، تغطى كل جسمه أشواك حادة، وعند شعوره بأى خطر يكوّر جسمه على شكل كرة شوكية تقيه شر أعدائه.
وفى علاقة القنافذ ببعضها البعض، فإنها لا يُمكن لها أن تقترب من بعضها البعض، فالأشواك التى تُحيط بها تكون حصنًا منيعًا لها، ليس عن أعدائها فقط، بل حتى عن أبناء جلدتها.. فإذا أطلّ الشتاء برياحه المتواصلة وبرودته القارسة اضطرت القنافذ للاقتراب والالتصاق ببعضها طلبًا للدفء، متحملة ألم الوخزات وحدّة الأشواك.. وإذا شعرت بالدفء ابتعدت، حتى تشعر بالبرد فتقترب مرة أخرى، وهكذا تقضى ليلها بين اقتراب وابتعاد.. الاقتراب الدائم قد يكلفها الكثير من الجروح، والابتعاد الدائم قد يُفقدها حياتها.. كذلك هى حالتُنا فى علاقاتنا البشرية، لا يخلو الواحد منّا من أشواك تُحيط به وبغيره، ولكن لن يحصل على الدفء ما لم يحتمل وخزات الشوك والألم.. لذا، من ابتغى صديقًا بلا عيب عاش وحيدًا، ومن ابتغى زوجةً بلا نقص عاش أعزب، ومن ابتغى أخًا دون مشاكل عاش باحثًا، ومن ابتغى قريبًا كاملًا عاش قاطعًا رحمه.. فلنتحمل وخزات الآخرين حتى نعيد التوازن إلى حياتنا.. إذا أردت أن تعيش سعيدًا، فلا تفسر كل شىء، ولا تدقق بكل شىء، ولا تحلل كل شىء، فإن الذين حللوا الألماس وجدوه فحمًا.
لا تحرص على اكتشاف الآخرين أكثر من اللازم، الأفضل أن تكتفى بالخير الذى يظهرونه فى وجهك دائمًا، واترك الخفايا لإله السماء.
ولو اطّلَعَ الناس على ما فى قلوب بعضهم البعض لما تصافحوا إلا بالسيوف، فهل نتحلى بالحكمة ونحافظ على مسافة مناسبة بيننا وبين الآخرين حتى تظل العلاقة الإنسانية قائمة؟!!.