الثلاثاء 25 فبراير 2020 الموافق 01 رجب 1441
ثروت الخرباوي
ثروت الخرباوي

مصر وعبقرية الإنسان

الثلاثاء 30/أكتوبر/2018 - 08:13 م
طباعة
من الأمور المهمة فى بناء الشخصية المصرية الحديثة، هو أن نعيد الثقة لشبابنا فى أنفسهم وتاريخهم ورموزهم، إلا أن البوصلة التى تُحرك كثيرًا من المثقفين منذ فترة قد انحرفت عن مسارها الصحيح، فسمعنا هذا وذاك وهم يهدمون التاريخ فوق رءوسنا، ويحوّلون كل رمز من رموزنا إلى شيطان رجيم وقاتل سفاح، أو جاهل لا يعرف شيئًا، والحقيقة غير ذلك تمامًا، فقد وهبنا الله عبر التاريخ كله رجالًا عباقرة، فدفناهم وهم أحياء، وأهلنا التراب على سمعتهم، لدرجة أننا الآن إذا أردنا أن نبحث عن العبقرى لن نجده، ولو بشق الأنفس، لأنه سيكون قد آثر الانزواء، وسأضرب لكم فى هذا المقال مثلًا عن العبقرى الذى وجد الفرصة فارتفع قدره، والعبقرى الذى لم يجد الفرصة فتاه بين الناس ولم يذكره أحد.
نعرف جميعًا أحمد زويل، ومجدى يعقوب، ومصطفى السيد، الذين غيّروا مسار العلم فى العالم كله، ونعرف أيضًا المعمارى الأكبر فى العالم الدكتور حسن فتحى، رحمة الله عليه، ونعرف قبلهم سميرة موسى التى اغتالتها الصهيونية العالمية، وكذلك يحيى المشد الذى اغتيل أيضًا، ومن قبلهم نعرف مصطفى مشرفة، ويوجد من العلماء المصريين الذين يعملون فى جامعات العالم ووصل نبوغهم إلى درجة العبقرية، إلا أننا سنعجز عن عدهم، ولكننى أود أن أطرح فى هذا المقال مثلًا واضحًا عن عبقريتين نسينا أحدهما، ولم نعرف الثانى منهما أبدًا.
ولتكن البداية عند الدكتور أحمد زكى، أحد عباقرة مصر الكبار، وأنا لا أقصد هنا أحمد زكى الممثل، رحمة الله عليه، وعلى أمواتنا جميعًا، ولكننى أقصد رجلًا تجهله الأجيال الجديدة وتجهل علمه ومقامه وعبقريته، هو «أحمد زكى عاكف» عالم الكيمياء الكبير الذى لم ينل شهرة العالم المصرى الشهير مصطفى مشرفة، إلا أنه لم يكن يقل عنه أبدًا، أما الشخصية الثانية التى أوقن أنه لا يعرفها أحد من أجيالنا كلها، حتى إنه كان من المجاهيل فى زمنه رغم أنه كان من المقدر له أن يصير من أكبر علماء الدنيا فى مجاله العلمى لو وافق على العمل فى جامعات أمريكا، هو العالم الفذ «محمد سعيد الأحرف».
ولنعد إلى الدكتور «أحمد زكى عاكف» ولنتوقف عند عام ١٩٥٠ فى أحد مدرجات العلم بجامعة القاهرة، وقتها أمعن النظر فأبصر صبيًا نحيفًا يخط خطواته الأولى فى عالم الكيمياء، ذلك العالم السحرى الذى خلب لب علماء الدنيا واستولى على عقولهم، وأغلب الظن أن الذى استلفت نظر الدكتور أحمد زكى، أبوالكيمياء والأدب، هو أن جامعة القاهرة استقبلت غلامًا فى الخامسة عشر من عمره ليكون طالبًا فى كلية العلوم، تلك الكلية التى كان أبوالكيمياء عميدًا لها قبل أن يكون مديرًا لجامعتها، لم يستلفت نظره حداثة طالب العلم الصغير وصغر سنه فحسب.. ولكن وقف مشدوهًا عندما رأى فيه نباهة ونبوغًا لم يرهما من قبل، وقلما يتوافران معًا فى شخص واحد، هذا هو نبت النيل، هذه هى الطيبة والوداعة والأصالة وحدة الذكاء والبصيرة عندما تختلط بتربة مصر فتنبت لنا عبقرية لا تدانيها عبقرية.. وبين أحمد زكى والصبى سعيد الأحرف كان التلاقى وكان العلم، لا أجد فكاكًا بينهما ولا ألمح انفصالًا بين عبقريتيهما.
أما عن الدكتور أحمد زكى، فالكل فى زمنه وفى الأزمان التى تلته كان يعرفه إلى أن أصبح نسيًا منسيًا، هذا هو أول عربى يحصل على الدكتوراه فى الكيمياء فى منتصف العشرينيات من القرن العشرين، وأول كيميائى يحصل على عضوية مجمع اللغة العربية، كما كان رئيس تحرير مجلة العربى، ذائعة الصيت فى حقبة الستينيات إلى منتصف السبعينيات، وهى من المجلات الرائدة فى الكويت فى شتى مجالات الثقافة، وأحمد زكى بهذه المثابة يكون قد جمع بين العلم والأدب ليعيد أمجاد أجداده الرازى والفارابى على مرأى ومسمع من العالم كله، هذه عبقرية طاف طيفها أمامنا وبيننا وما زلنا ننهل من معينها حتى ولو نسيه الناس.
أما عن الغلام فحدث ولا حرج، ومن عجب أن له من اسمه نصيبًا فهو «محمد سعيد الأحرف» وقد كان بالفعل الأنبغ والأحرف بين كل أقرانه، بل فى كل جيله وأجيال سبقته وتلته. قفز محمد سعيد قفزات سريعة كأنها الومض فى صفوف دراسته وتجاوز أترابه وسبقهم بسنوات فى العلم، حتى إنه حوَّل زاوية من زوايا بيته فى قليوب إلى معمل للكيمياء والاختراعات، وتحت رعاية الدكتور أحمد زكى مرت بالفتى سنوات الجامعة ليتخرج متفوقًا بل فى مقدمة المتفوقين، إذ كان الأول على دفعته فى عام ١٩٥٤، آنذاك كان الدكتور أحمد زكى قد أصبح مديرًا لمصلحة الكيمياء فانتخب نخبة من صفوة المتفوقين ليلحقهم بتلك المصلحة حتى ينهض بشأنها ويجعلها منارة للعلم.
وقد كانت هى المنارة الأعلى فى الشرق كله وقتها، وبزغ نجم محمد سعيد الأحرف وظهرت عبقريته التى لا تدانيها عبقرية، حتى إن الدكتور أحمد زكى طلب منه إلقاء محاضرة عن أحد أبحاثه المتميزة عن علم التحليل الطيفى، وكانت هذه المحاضرة أحد مفاتيح هذا العلم المستحدث، حيث فتحت المجال لآخرين للولوج فى هذا العلم، بعدها كان من المستوجب أن يحصل محمد سعيد الأحرف على منحة دراسية من إحدى جامعات النمسا ليحصل على الدكتوراه عن رسالة موضوعها (التحليل الطيفى للمواد الإنشائية) التى استطاع من خلالها تطوير نظريات التحليل الطيفى وتنويع مجالاتها بشكل لم يسبقه فيه أحد من علماء الدنيا قاطبة، حتى قال له أحد المناقشين «أمامك المجال لتحصل على نوبل لو أخرجت لنا بحثًا آخر عن مجال مختلف للتحليل الطيفى»، وهناك فى بلاد الغرب وبعد حصوله على الدكتوراه استمسكوا به استمساكًا، وقال له أستاذه الأمريكى الذى كان على رأس لجنة مناقشة الرسالة، «لو أردت لأفردنا لك معاملنا وأموالنا لتخرج لنا عبقريتك.. كن معنا فالعلم لا دولة له».
ولكن الشاب النابه كانت أنسجته قد أشربت من حب هذا الوطن، فعاد إليه والأمل يحدوه أن يقدم لبلده بعض ما قدمه له، ولكنه عاد وكان الدكتور أحمد زكى قد غادر مصلحة الكيمياء ليرأس تحرير مجلة العربى، فينتقل الشاب الشغوف بالعلم إلى مصلحة الكيمياء بالإسكندرية عام ١٩٦٥، ثم يعود للقاهرة بعد النكسة، تلك النكسة التى أصابتنا وأصابته فى مقتل، فإذا بجميع مخصصات البحث العلمى تتجه إلى المجهود الحربى وحرب الاستنزاف وإعادة بناء الجيش المصرى، فأصبحت خزينة مصلحة الكيمياء خاوية على عروشها، واختبأت الأبحاث العلمية فى أضابير المكاتب، ولم تخرج إلى نور العلم، ليصبح ذلك العالم الفذ مسئولًا عن بعض الأعمال الإدارية التى لا علاقة لها بالعلم والكيمياء.. ما بين نكسة ١٩٦٧ وسفر الدكتور أحمد زكى الكويت تحطم قلب الشاب الذى كان مفعمًا بالأمل، ومع ذلك خط هذا الرجل بمجهوده وماله ومعمله المستحوذ على ثلث مساحة بيته العديد من الأبحاث المستحدثة، ولكن كان لحزب «السطحية والانتحال والسلب» دوره الأكيد فى هدم نفسية الرجل، فقد قام أحد رؤسائه الكبار بسرقة بحث علمى من أبحاثه، بحث متفرد أخرجته قريحة عبقرية لأحرف الكيميائيين العرب، ثم قام هذا الدعى بنسبة البحث لنفسه وبه أصبح على سدة علماء البلد وعميدًا لكلية من كلياتها، فتجمعت الخطوب على قلب ذلك الأحرف المنكوب فمات وهو يتجرع الألم بعد أن كان يتنسم الأمل، رحم الله محمد سعيد الأحرف، عالم القرن، فقد مات فى منتصف الثمانينيات دون أن يعرفه أحد، ولم يكن قد بلغ الخمسين من عمره، مات وفى قلبه حسرة وفى قلوبنا غصة.