رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الثلاثاء 26 مايو 2020 الموافق 03 شوال 1441
القس. رفعت فكرى
القس. رفعت فكرى

ملعقة الزيت

الإثنين 21/مايو/2018 - 05:03 م
طباعة
يُحكى أن تاجرًا كان لديه ابن يشكو من التعاسة، ولكى يُعلمه معنى السعادة، أرسله لأكبر حكيم موجود بذلك الزمان، وحين وصل لقصر الحكيم وجد قصره فخمًا وعظيمًا وكبيرًا من الخارج.

وحين دخله سأل الحكيم: هل لك أن تخبرنى بسر السعادة؟، فرد الحكيم: أنا ليس لدىّ وقت لأعلمك هذا السر، ولكن اخرج وتمش بين جنبات هذا القصر ثم ارجع لى بعد ساعتين، ووضع بين يديه ملعقة بها قليل من الزيت وقال له: ارجع لى بهذه الملعقة، واحرص على ألا يسقط منها الزيت!.
فخرج الشاب وطاف بكل نواحى القصر ثم رجع إلى الحكيم، فسأله: هل رأيت حديقة القصر الجميلة المليئة بالورود؟، قال الشاب: لا.. فسأله مرة أخرى: هل شاهدت مكتبة القصر وما فيها من كتب قيمة؟، فرد الشاب: لا!. فكرر الحكيم سؤاله: هل رأيت التحف الرائعة بنواحى القصر؟، فأجاب الشاب: لا.. فسأله الحكيم: لماذا؟، فرد الشاب: لأننى لم أرفع عينىّ عن ملعقة الزيت خشية أن يسقط منى فلم أرَ شيئًا مما حولى بالقصر!. فقال له الحكيم: ارجع وشاهد كل ما أخبرتك عنه وعد إلىّ، ففعل الشاب مثلما قال الحكيم وشاهد كل هذا الجمال ورجع إليه، فسأله الحكيم: قل لى ماذا رأيت؟، فانطلق الشاب يروى ما رآه من جمال وهو منبهر وسعيد، فنظر الحكيم لملعقة الزيت بيد الشاب فوجد أن الزيت سقط منها، فقال له: انظر يا بنى هذا هو سر السعادة، فنحن نعيش فى هذه الدنيا وحولنا الكثير من نعم ربنا، ولكننا نغفل عنها ولا نراها ولا نقدرها لانشغالنا عنها بهمومنا وصغائر ما فى الحياة.. السعادة يا بنى أن تقدر النعم وتسعد بها وتنسى ما ألم بك من هموم ومشاكل مثل ملعقة الزيت، نسيتها حين التفت للنعم من حولك فسقط الزيت.
البعض من الناس لا يرى من هذه الدنيا ولا يُركز إلا على آلامه وأحزانه وانكساراته، رغم أنك عزيزى القارئ لو قارنت حجم مشكلاته بحجم تلك الأشياء الجميلة فى حياته، لكان حجم مشكلاته ضئيلًا جدًا أمامها.. إن التركيز فى الهم والحزن يرسم فى مدى نظراتنا لوحة موحشة بألوان كئيبة، تقول الأديبة نور القحطانى: «الأسى يبعث الأسى، والحزن يستدعى الحزن، كما أن الفرح يبذر النشوة فى جوانحنا». هذه الحياة مازالت تحتفظ بأشياء كثيرة جميلة لم تختفِ إلى الآن، فمن الظلم للنفس أن نسجنها فى جدران الكآبة، وهى بين بساتين، ورحى الهم لا تطحن إلا الضعفاء، حكيم تلك القصة أراد أن يوصى ذلك الشاب الذى هو فى مقتبل العمر ألا تشغله مشاكله عن رؤية باقى الأشياء الجميلة فى هذه الدنيا، بل يستمتع بالجانب الجميل فى حياته ويسعى بكل جهد إلى أن يُنهى جميع مشاكله بالإيمان والحُب والأمل. يقول هيرمان: «لا تجعل من أحزانك نشيدًا تردده دائمًا».