طارق رمضان.
كنت أريد الحكي عنه بعد مواجهة أجراها علي القناة الخامسة في التليفزيون الفرنسي.
الموضوع: النقاب.
والمناسبة: قانون جديد يهدف إلي منع ارتداء النقاب في الأماكن الرسمية.
لكنني تذكرت مشهدًا للمرأة الإيرانية في روتردام.
كانت تتكلم بهدوء وثقة عنيفة.
الشرطي يشير لها: ممنوع.
وهي تدافع عن حقها في رفع صور المعتقلين الذين حكم عليهم بالإعدام قبل قليل.
حماس المرأة لافت.. وكذلك ثقتها في نفسها وهي تطالب الشرطي بأن يفهم أنها لا تحمل سوي صور ضحايا النظام الإيراني.
والشرطي بكامل الأدب واللياقة.. يخبرها بأنها يمكن أن تفعل ما تريد في المساحة المخصصة للمظاهرة.
أصوات المعارضة الإيرانية كانت تريد الوصول إلي مقاعد المسئولين في قاعة الاحتفالات الضخمة (اسمها الدولين).. هم يقيمون حفلاً موسيقيًا ضخمًا في وقت عرض فيلم إيراني اسمه «لا أحد يعرف شيئًا عن القطط الفارسية» الفيلم ليس رائعا، لكنه مسجل علي قائمة تفضح الديكتاتورية الإيرانية التي تحارب مجموعة شباب هواة موسيقي.. تطاردهم في الشوارع حتي الموت.
فيلم ضعيف.. ومستهلك، لكنه «رسالة» فضح وتعرية للقمع.. يمكن للبعض أن يراها تداعب الغرب أو تشتري حنانه.. والاهتمام السينمائي به.
ربما يكون هذا صحيحًا إلي حد ما.. طلاب الشهرة في أوروبا يصنعون أفلامًا علي المزاج المنتظر.. لكن هذا بحث في النوايا..لا يمكن السير حوله، والمعيار الوحيد هو قوة الفيلم.. أو مستواه الذي يضعه إما علي قائمة البروباجندا المضادة لنظام الجمهورية الإسلامية في طهران أو في فيلم ممتع عن علاقة الديكتاتورية بالموسيقي.
لم أستمتع بالفيلم.
استمتعت بالمواجهة بين المرأة والشرطي.
رأيت فيها تلخيصًا لحالة الديمقراطية.
امرأة تريد التعبير عن رفضها لحكومتها.. وشرطي يطلب منها تنفيذ القانون والقواعد.
هذه الحدود.. هي ما ينقصنا هنا.
الشرطي لا يعتبر المرأة خارجة علي القانون.. ولم يفكر في إهانتها.. طلب منها فقط مراعاة النظام.
والمرأة دافعت عن حقها بقوة وأفهمته أنها مجرد صور وليست لافتات سياسية.
هذه العلاقة لم تحدث بين يوم وليلة.
ولم تنزل من السماء.
ولم تشربها أوروبا مع اللبن في الصباح.
إنها تاريخ طويل من الحوار حول الحقوق والواجبات.. وحدود النظام وحدود الفرد.
المرأة كانت طاقتها مشتعلة.. لكنه ليس ذلك الغضب سريع الاشتعال.. سريع الانطفاء.
غضب عاقل منظم لا يقع تحت ضغط أنظمة لا تعترف بأحقية أحد في التحدث غيرها.
الإيرانية تستمتع بالمساحة التي فرضتها مجتمعات أوروبا علي نفسها.
أرادت أوروبا الإخلاص لأفكارها عن المساواة والعدالة بعد أن أذاقت العالم ويلات الاستعمار وتراجيديا الحروب العالمية.
هذه الأفكار لا تعيش في مجتمع مثالي.
تعيش في مجتمع رفاهية يبحث عن خدم ومساعدين ويريد الاستفادة من العقول النشيطة.
وها هو يدفع الثمن.
الخدم والمساعدون والعقول النشيطة تطالب بنصيبها في أوروبا.
تتحدث عن حقوقها في أوروبا.
وأوروبا لا تتهرب من دفع الثمن.. تقاوم عنصريتها.. وتحاول فتح جسور الحوار.. لتصبح مجتمعًا متعددًا.
ونحن هنا.. أنظمتنا ومجتمعاتنا تريد مطاردة الاختلاف وتنزعج من التعدد..وتطالب بالتوحيد.
هذا هو الفرق الكبير الذي من أجله أردت أن أحكي عن طارق رمضان.. وسأحكي.



