قنوات كثيرة، والعدد في الليمون، انضمت إلي الفضائيات العربية في الأسابيع الأخيرة، معظمها مخصص للمسلسلات والأفلام، ولن تجد من بينها قناة علمية أو ثقافية واحدة، بل لن تجد من بينها قناة سينمائية فعلا. السينما بالنسبة لهذه القنوات لا تختلف كثيرًا عن وجهة نظر تهامي ووديع ورشا أبطال وصناع قناة ميلودي، فهم لم يختشوا أو يخجلوا من طبيعة قناتهم، ووضعوا بأنفسهم الصورة التي يريدون للناس أن تنظر بها إليهم، وهو نفس ما يفعله صناع القنوات الأخري الذين لا يعرفون أن هناك أفلامًا في العالم كله غير أم الأفلام المصرية والهوليوودية التي يبثونها علينا نهارا وليلا.
مع ذلك توجد استثناءات متناثرة، مثل قناة «فيوتشر» اللبنانية وقناة «أو.تي. في» المصرية، فكلاهما اختار نوعيات مختلفة من الأفلام الأوروبية الكلاسيكية أوالأفلام الأجنبية (غير الأمريكية) المتميزة لعرضها في وقت الذروة الذي تخصصه القنوات الأخري لعوكل وهرقل ومستر إكس والرجال إكس.
ومنذ يومين شاهدت فيلم «لادولشي فيتا» رائعة الإيطالي فيدريكو فلليني علي «الفيوتشر»، وعلي مدار العام الماضي شاهدت عددا من الأفلام المهمة علي «أو.تي.في» مثل الفيلم المكسيكي «زقاق المدق» المأخوذ عن رواية نجيب محفوظ، وهو الفيلم الذي انطلقت منه سلمي حايك إلي هوليوود لتصبح نجمة عالمية، وفيلم «دوجفيل» لصانع الأفلام الدنماركي لارس فون ترير، الذي يعد واحدًا من أكبر المجددين في السينما حاليا، وفيلم «مدينة الله» للمخرج المكسيكي فيرناندو ميريلس، وفيلم «الغزوات البربرية» للمخرج الكندي دوني أركان وغيرها من روائع السينما العالمية الحديثة...غير أنني شعرت بالقلق مؤخرا عندما أعلنت القناة أنها ستعرض فيلما مصريا كل يوم، علي حساب هذه الأفلام العالمية طبعا، رغم أن الأفلام المصرية «مرطرطة» علي كل القنوات، وقناة «أو.تي.في» تتنازل عن شخصيتها وتميزها إذا فكرت أن تصبح مثل القنوات الأخري.
صحيح أن معظم الأفلام التي ذكرتها، بما فيها «لادولشي فيتا» الذي يقرب عمره من نصف قرن، لا تزال صعبة علي الجمهور المصري والعربي الذي اكتوي عقله بكل أنواع التفاهات السياسية والسينمائية والمسلسلاتية، وصحيح أن هذا الجمهور يعرب عن استيائه واعتراضه بل عدوانيته إذا فكرت أن تعرض عليه مقطوعة موسيقية راقية أو فيلما يحتاج إلي قدر قليل من التذوق... ولكن هذا لا يبرر أن نلوم الجمهور أو أن نخضع لمتطلباته قبل أن نقوم بدورنا كإعلاميين ومثقفين، وفي الحقيقة أقابل يوميا من أفراد الجمهور العادي من يرقي ذوقهم وثقافتهم عن معظم الإخوة زملاء المهنة...وليس هذا موضوعنا حتي لا نخبط في لغم هنا أو هناك.
ما كنت أريد قوله إنه علي هذه القنوات الجادة ألا تكتفي بالعدد القليل من محبي السينما العالمية، ولكن عليها أن تسعي إلي تقريب الهوة بين هذه الأفلام وقطاعات أخري من الجمهور، كما كان يفعل برنامج نادي السينما فيما مضي.



