رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

فخ صاحبة المقامات!

 

قراءة فى رواية (مقامات الغضب!)

(1)

اعتاد عقلى – دون أن يتكلف مشورتى – ممارسة طقسه الخاص حين يشعر بأننى على وشك قراءة رواية جديدة، بأن يتطوع ويقدم لى على عجالة قراءَته الموجزة لكاتب الرواية أولًا! يدفعنى لقراءة الكاتب أو الكاتبة أولًا، وتسهل مهمته ومهمتى حين تتوافر لكلينا خبراتٌ سابقة أو حتى – فى بعض الحالات – تصادمٌ سابق على صفحات روايته أو روايتها! وآخر ما سبق لى قراءُته للكاتبة د.صفاء النجار جعلنى أقدر لعقلى هذا الطقس جيدًا، بل أمتن له. أقدر للعقول فلسفتها فى القيام بواجبها لتوفير حماية خاصة لأصحابها حسب قدراتهم الإنسانية. أذكر أن آخر ما قرأتُ للكاتبة احتوى فى أحد فصوله جرعة مكثفة من الوجع الإنسانى لم أحتملها. ففى مرحلة عمرية معينة يمنح الله الإنسانَ بعضًا من حكمة يدرك من خلالها كيف وأين يستهلك ما تبقى لديه من بقايا طاقة نفسية وعصبية وقدرة على احتمال الوجع الإنسانى حتى لو كان خيالًا روائيًا! يدفعنى هذا إلى الحرمان من مشاهدة بعض الأعمال الدرامية لاحتوائها على جرعات مؤلمة إنسانيًا!

وضعنى عقلى رغمًا عنى فى حالة الاستنفار هذه قبل أن أبدأ فى قراءة الصفحة الأولى.. ثم استرسلتُ فى القراءة.. صفحة. .صفحتان.. عدة صفحات.. تبددت حالة الاستنفار.. يبدو أن عقلى كان مبالغًا بعض الشىء! وربما كانت جرعة الألم الإنسانى فى كتاباتٍ سابقة للكاتبة كانت مرحلة لها ما يبررها ولها تفاصيلها الذاتية، فالروائيون كثيرًا ما يهربون خلف ما يكتبون، ويتخلصون من بعض أحمالهم دون أن يدفعوا الثمن.. يتخفون خلف أبطال وشخوص رواياتهم.. قمتُ بذلك أكثر من مرة وأدركتُ السر!

بعد اقترابى من نهاية الفصل الأول عن أروى، تبدلت حالة الاستنفار لدى إلى حالة تشكك.. فحتى الآن هى رواية من نوع الـ(لايت ريدنج) كما تهمس سيدة إنجليزية عندما يسألها متطفلٌ عن الرواية التى تنشغل بها طوال رحلتها! تشككتُ.. هل من المعقول أن الروائية قد قررت أن تُشغل قراءها بقصة حياة فتاة شاردة حائرة مضطربة نقابل الكثير منهن فى كل خطوة من خطوات حياتنا؟! لا ليس الأمر كذلك ولا شك! فى الأمر خدعة.. هناك ألغامٌ فى الطريق.. استدراجٌ متعمد! سهولة السرد واللغة فيما قرأته – مضافًا إلى خبراتى السابقة بكتابات الروائية – كان يشى بذلك!

(2)

ثم بدأت فخاخ صاحبة المقامات فى الإعلان عن نفسها بعد أن نجحت فى عملية الاستدراج.. مجموعة فخاخ مركبة، لا تمر من إحداها حتى يسقط عقلك  - فى سهولة لا تتناسب مع تحفز عقلى وطقسه الاستباقى - فى الفخ التالى! كان الفخ الأول أن تكتشف أننا نطرق أبواب عائلة من الأرواح الشاردة المضطربة.. أرواحٌ شاردة تكتسى بقوالب من الطين فتشقيها وتشقى مَن حولها باضطرابها.. لو لم يكن فخًا لكان يسهل أن يجلس القارئ فى مقاعد هيئة المحلفين أو يتحفز للقيام بدور قضاة الفضيلة والحكمة ليصدر أحكامه على هذا أو ذاك من هذه الأرواح! لكن الفخ الحقيقى الأول هو أن كل قارئ لن يستطيع الفكاك من شعوره بأن روحه ليست إلا واحدة من هذه الأرواح! 

فكل رجلٍ يمكنه أن يكون فى لحظة مثل سامر الرجل الانتهازى العابث بمشاعر امرأة أدرك نقاط ضعفها وسقوطها، وعلى رأسها أنها تصور أنها تعشقه! أو فادى الذى حولته صديقته الشاردة – التى أصبحت زوجته – إلى ألعوبة تعبث بها ثم تضجر منها وتهم بإلقائه فى سلة أشيائها! أو حتى اللواء يسرى صالح الذى فشل فى منح دفء الأبوة الحقيقى لابنته، فتعامل معها بسطوته لا أبوته، ما جعلها لا تهرع لإلقاء نفسها بين ذراعيه حين وقعت فريسة لهذه العائلة الانتهازية المتعجرفة! خافت سلوى من رد فعله وأن يدير الموقف بصفته وسطوته لا أبوته.. فأخفت معاناتها حتى تم تحطيمها نفسيًا.. ثم حاول إدراك ذلك بإفساد الحفيدة.. ويهرب من ذلك خلف التخفى خلف دوره العام!

وكل امرأة يمكنها أن تتذكر مشهدًا هنا أو هناك من حياتها يضعها رغمًا عنها بديلًا لسلوى المستسلمة للهدم المتعمد لروحها حتى تصل إلى مسخ مشوه غريب عنها! وكل فتاة يمكنها أن تتلمس الأعذار لأروى وعبثها بدافعٍ من تجربة سابقة عبث فيها أحدهم بحياتها! وكل إمام مسجد ولا شك حلم بما وصل إليه الشيخ على قنديل ولم يحاول أن يحكم عليه فى رؤاه وتساؤلاته التى ولا شك تتصادم مع كل ما يقوله هذا الإمام كل جمعة بحماسة كبرى لا تضع لمستمعيه أى فرصة للشك أو التشكك!

هذا هو الفخ الأول والأقسى.. كلنا أرواحٌ شاردة معذبة فى كل أو بعض لحظات حياتها، يتلبس كلٌ منها قالبها الطينى فتُشقيه وتُشقى كل القوالب المحيطة به.. تحرمك الكاتبة من رفاهية الانسلاخ عن هؤلاء الذين تقرأ عن اضطرابهم وعبثهم وحيرتهم.. لن تمنحك الكاتبة مقعدًا مجانيًا وثيرا بين مقاعد الحكماء والقضاء والآلهة الوثنية القديمة ولن تتركك جالسًا آمنًا خلف قناعك تقرأ الصفحات وتتسلى برشفات القهوة وسماع الموسيقى! قطعا سترى روحك أمامك فى مشهدٍ أو عبارة أو سلوك أو خاطرة بين ما يترى على ألسنة شخوص الرواية!

(3)

منذ سنواتٍ وفى إحدى ليالى الشيخ ياسين التهامى التى كنتُ أحرص أحيانا على حضورها بأسوان، وفى ذروة تألق الشيخ وذوبانه تماما مع كلمات قصيدته.. وبينما كان هناك من يحول بين المريدين وبين الصعود إلى خشبة مسرحه.. فوجئتُ بأحد من يُطلق عليهم المجاذيب أو الدراويش وقد صعد إلى المنصة.. ووقف مواجهًا للشيخ تمامًا.. كان شابا يرتدى جلبابا ممزقا كان متوحدا تقريبا مع ما يسمع ويصفق بكلتا يديه بقوة فى وجه الشيخ.. حين هم بعضهم بالتقاطه بعيدا حتى لا يشوش على الشيخ أو يُربكه.. تراجعوا جميعًا بإشارة من يد الشيخ بأن يتركوه، وبين كلمات قصيدته صرخ الشيخ سيبوه سيبوه دا درويش.. هذا الدرويش وحده من تجرأ واستطاع أن يكسر هذه الحالة.. وحده من كسر الحصار بشرعية أنه درويش..

لا أدرى لماذا تذكرت هذا المشهد وأنا أركض فى تشابيك الفخ الثانى للدرويشة صاحبة حور العين! فخٌ وصل بعقلى إلى ذورة انتشائه.. فعقلى يعشق هذه الفخاخ ويستمرأها، بل ويلغى كل خطط دفاعه النفسى ويخلى بينى وبينها منذ سنواتٍ طويلة.. ومارس هوايته بأن أضاف كثيرًا من العبارات والفقرات لم تكتبها الروائية وقرأتها بين فقراتها!

بشرعية الدرويشة، وبلغة بسيطة سلسة لا تتمنع عن الوصول إلى كل عقل وكل روح مهما كانت درجة ثقافة وتعلم صاحبهما، وبجرأة أحسدها عليها، اقتحمت الكاتبة تلك الغرف السرية التى لا يخلو عقلٌ منها، سواء كان صاحبه مسلما أو مسيحيا، رجلا أو امرأة، ممارسا لطقوسه أو متكاسلا عنها.. بالنسبة لى وبشكلٍ شخصى ولسابق تجاربى، أعتقد أن هذا الفخ هو الأعمق والأجرأ فى الرواية.. لم تسلك الرواية منهجا قديما عتيقا فى طرق هذه الغرف كما يفعل كثيرٌ منا فيتصادم بفكرة الدفاع الجمعى الأعمى عن المعتقدات من باب الدفاع عن الذات لا عن المعتقد ذاته.. بل اختارت طريق الدرويش.. الذى نحبه جميعا لشىء ما بداخلنا.. تعاطف إنسانى.. ربما.. أو ربما أننا نرى فيه ما نود فعله فى لحظة معينة.. نريد أن نتحرر من كل القيود ونشرد ليومٍ واحد كدراويش.. من منا لم يشعر برغبته فى أن يكون راقص تنورة ليومٍ واحد أو درويشا حافى القدمين؟! كانت عملية الاستدراج فى هذا الفخ جميلة ناعمة لا تثير نفورا أو استنفارا من أحد.. فهى تلقى بعض الأسئلة الإنسانية.. كيف لأبٍ أن يرضى بتعذيب ابنه؟! تعذب فادى كثيرا منذ طفولته بهذا الخاطر وقسم العالم إلى قسمين.. أبوه الحانى الذى لم يتركه يتعذب، والأب الذى تخلى عن ابنه! 

وشقىَ على قنديل بدراما أخته صباح وقصة شللها منذ أن كانت رضيعة ومعاناتها طول حياتها ومعاناة جميع أفراد أسرتها معها.. كيف يُترك هذا العالم هكذا بملايين قصص العذاب الإنسانى؟ تساؤلات فادى عن هذا الأب وتساؤلات على قنديل عن الأقدار وعن الله هى درة هذه الرواية. مرة ثانية تجرد الروائية قراءها من أى أسلحة دفاع نفسى تقليدية وتبدأ القصة من بدايتها.. منذ طفولتنا حين تضج رؤءوسنا بكومة من التساؤلات البديهية.. يحاول رجال الديانات المختلفة تقديم إجابات مقنعة عنها.. حين نكبر وبعد أن نكون قد تعرضنا لهذه الأعوام المكتظة بالأحداث والخبرات، نصبح أكثر جبنا أو حكمة! نحاول خنق هذه الأفكار استجابة لنصوص دينية أو لنصائح رجال الدين ونحاول أن نقدم إجابات مرضية للجميع! حتى نستطيع استكمال الرحلة فى هدوء وسلام.. والذين يتمردون على هذا النسق يتم نبذهم وإلقاء أطواق الشك والريبة حول أعناقهم، وبعضها يكون من الحدة والقوة أن يطيح برقبة أحدهم!

(4)

الإسهاب أحيانا فى بعض تفاصيل عراقة الأسرة، أو تفاصيل جغرافية بعض الأماكن ربما ترضى بعض الأذواق والأعمار رغم أننى قد تجاوزت بعضها وأضعها فى إطار خطة الروائية فى نصب الكمين نصبا محكما لتبدو الرواية وكأنها مجرد رواية اجتماعية! 

التفاصيل السياسية الشاردة هنا وهناك أعتبرها من باب الاحترافية اللازمة لأن الروايات بعد مرور سنوات تصبح مصدرا مهما من مصادر التاريخ بما تحتويه من تفاصيل جغرافية أو سياسية أو اجتماعية. بعضنا يخطئ أحيانا فيخلط بين هذه النقطة وبين نقطة أخرى مفادها أن أى تنظير سياسى هامشى فى رواية إنما هو ترويج لرؤية سياسية معينة. وأعتقد أن الفارق يكون فى المساحة الممنوحة لهذه التفاصيل، ومدى كونها من محركات أحداث الرواية. لذلك فأنا أعتقد أن الرواية نجحت بشكل مميز فى تقديم جرعة سياسية معتدلة تناسب حقيقة مقصد الرواية وغايتها ونأت بنفسها بذكاء عن التصادم مع أصحاب الرؤى المخالفة سياسيا.

  نجحت الكاتبة فى تبسيط مفرداتها اللغوية لتناسب شرائح مجتمعية أكثر من رواياتها السابقة، كما أعتقد أنها قد فطنت لما ذكرتُه فى بداية حديثى فى ترويض قدرتها على وصف مشاعر الألم النفسى والاقتصاد منها رفقة بقرائها وهذا نجاحٌ وخطوة مهمة فى مسيرة الكاتبة.. هذا التبسيط فى اللغة مع الحد من وصف الألم الإنسانى أضافا لى متعة جديدة لقراءة الرواية.

خط كل شخصية وتطور سلوكها وانتقالها وتفاعلها مع الحدث الأكبر الذى فرضته عليهم أروى باضطرابها، كل ذلك تم فى انسايبية تتسق وما قدمته الروائية عن كل شخصية فى البداية.. تترك الرواية القارئ فى حالة استدراك لما بثته الكاتبة على ألسنة كل شخصية منفردة. لم تترك القراء فى حالة صدام مع الآخر، وإنما فى حالة تقبل لفكرة مهمة.. إننا جميعا لا نختلف كثيرا فى حاجة عقولنا وأرواحنا لآفاقٍ رحبة تتقبل فكرة أن الطريق لليقين ليس واحدًا! وتعدد الطرق والطرائق لا يعنى أبدا أن أحدها أو بعضها على صواب، بينما الأخرى على خطأ.. قبول وجود هذا التعدد يعنى التسامح والتعايش ورفضه يعنى الاستمرار فى الدوران فى التيه!

فى النهاية فإننى أحرص على توضيح حقيقة مهمة.. إننى لستُ ناقدا أدبيا.. فهذه كلمات قارئ لا رؤية ناقد!